محمد متولي الشعراوي
9495
تفسير الشعراوي
البُؤْس أو الشقاء ؟ الإنسان لا ينادي إلا على ما يُفرِح . فالمعنى : يا ويلتي تعالى ، فهذا أوانك ، فلن يشفيه من الماضي إلا أنْ يتحسَّر عليه ، ويندم على ما كان منه . فالآن يتحسَّرون ، الآن يعلمون أنهم يستحقون العذاب ويلومون أنفسهم . { إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } [ الأنبياء : 14 ] ظالمين لأنفسنا بظلمنا لربنا في أننا كفرنا به ، كما قال في آية أُخْرى : { أَن تَقُولَ نَفْسٌ يا حسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله . . . } [ الزمر : 56 ] . قوله تعالى : { فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ . . . } [ الأنبياء : 15 ] أي : قولهم : { قَالُواْ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } [ الأنبياء : 14 ] فلم يقولوها مرة واحدة سرقة عواطف مثلاً ، إنما كانت ديدنهم ، وأخذوها تسبيحاً : يا ويلنا إنا كنا ظالمين ، يا ويلنا إنا كنا ظالمين ، فلا شيءَ يشفي صدورهم إلا هذه الكلمة يُردِّدونها . كما يجلس المرجم يُعزِّي نفسه نادماً يقول : أنا مُخطيء ، أنا أستحق السجن ، أنا كذا وكذا . وقوله تعالى : { حتى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ } [ الأنبياء : 15 ] الحصيد : أي المحصود وهو الزرْع بعد جمعه { خَامِدِينَ } [ الأنبياء : 15 ] الخمود من أوصاف النار بعد أنْ كانت مُتأجِّجة مشتعلة ملتهبة صارت خامدة ، ثم تصير تراباً وتذهب حرارتها . كأن الحق - سبحانه وتعالى - يشير إلى حرارتهم في عداء الرسول وجَدَلهم وعنادهم معه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، وقد خمدتْ هذه النار وصارتْ تراباً .